مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

17

تفسير مقتنيات الدرر

البعث وشركاؤهم شياطينهم الَّذين زيّنوا لهم الشرك والعمل للدنيا ، وقيل : الشركاء أوثانهم وإنّما أضيفت إليهم لأنّهم هم الَّذين اتّخذوها شركاء للَّه ولمّا كانت سببا لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه السّلام : « رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ » « 1 » والمراد من قوله : « شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِه ِ اللَّه ُ » يعني أنّ تلك الشرائع بأسرها على ضدّ دين اللَّه . ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ ] ) * أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أو ولولا الوعد بأنّ الفصل يكون يوم القيامة * ( [ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ] ) * بين الكافرين والمؤمنين في الدنيا وحاصل المعنى أنّه لولا حكم اللَّه بتأخير العذاب لهذه الامّة إلى الآخرة لعذّبهم * ( [ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ ] ) * الَّذين يكذّبونك في الدنيا * ( [ لَهُمْ ] ) * في الآخرة * ( [ عَذابٌ أَلِيمٌ ] ) * . ثمّ ذكر سبحانه أحوال أهل العقاب وأهل الثواب أمّا الأوّل فهو قوله : * ( [ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ ] ) * خائفين * ( [ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ] ) * من المعاصي وهو العقاب الواقع بهم لا محالة ولا ينفعهم خوفهم والإشفاق الخوف من جهة الرقّة على المخوف عليه من وقوع الأمر يريد سبحانه أنّ وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقوا وأمّا الجزء الثاني فهو أحوال أهل الثواب . * ( [ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ ] ) * لأنّ روضات الجنّة أطيب بقعة فيها ، قال الرازيّ في المفاتيح في الآية تنبيه على أنّ الفسّاق من أهل الصلاة كلَّهم في الجنّة إلَّا أنّه خصّ الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات في البقاع الشريفة من الجنّة فالأمكنة الَّتي دون الروضات لا بدّ وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات . ثمّ قال : * ( [ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ] ) * وهذا يدلّ على أنّ كلّ الأشياء حاضرة مهيّاة لهم ثمّ عظَّم هذه الدرجة وقال * ( [ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ] ) * والأشاعرة استدلَّوا بهذه الآية على أنّ الثواب غير واجب على اللَّه وإنّما يحصل بطريق الفضل من اللَّه قالوا : وهذا تصريح بأنّ الجزاء المرتّب على العمل إنّما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق .

--> ( 1 ) إبراهيم : 36 .